تراثُ
الأمةِ ركيزةٌ أساسيةٌ من ركائز هويتها الثقافية، وعنوانُ اعتزازها بذاتيتها
الحضارية في تاريخها وحاضرها، وهو منبعٌ للإلهام ومصدرٌ حيويٌّ للإبداع المعاصر، ينهل
منه الفنانون والأدباء والشعراء، وكذلك المفكرون والفلاسفة، لتأخذ الإبداعات
الجديدة موقعها في خارطة التراث الثقافي.
والتراثُ كان دومًا -ولايزال- مصدرًا ثريًّا
بالخبرات الفنية التي أفاد منها كثيرًا من الفنانين العرب على اختلاف تخصصاتهم، وقد
انعكس ذلك على إبداعاتهم المعاصرة. وتُقدم نتاجات الفن العربي المعاصر أنماطًا مُختلفةً
من المعالجات التقنية تبعًا لمدى قرب الفنان من الأساليب الفنية المعاصرة ومدى
استفادته من مكونات التراث العربي العريق. فالتجديدُ لا يعنى دائمًا البُعدَ عن
التراثِ، فقد يحتاجُ الفنانُ أحيانًا إلى البحث في التراث للخروج بفكرةٍ جديدةٍ
يعمل على تطويرها. وتختلف آفاق الرؤية الجمالية والفنية لدى الفنانين التشكيليين
العرب بحسب قدرة الفنان على تحقيق الموازنة بين عنصري الخصوصية التراثية والحضور
العالمي على الساحة الفنية التشكيلية المعاصرة، وترتقي بعض نتاجات الفن التشكيلي
العربي المعاصر إلى مستوى يفرض وجودَه وحضورَه على المستوى العالمي.
وتُعد العلاقةُ بين التراثِ والأصالةِ علاقةً عضويةً
ومصدرَ إلهامِ المبدعين، خصوصًا في مجالات الفن التشكيلي، فليس هناك أي صراع بين
القديم والجديد، ولكن هو حق الحفاظ على التراث القديم. فليست الأصالة دعوةً طارئةً،
بل هي هويةٌ لابد أن تُلازم العملَ الفنيَّ التشكيليَّ المبدعَ. وتُعد الفنونُ
التشكيليةُ العالميةُ المعاصرةُ متصلةً بمعطيات التحول الفكري والجمالي الذي حدث
في بنية الفنِّ في الحقب التاريخية المختلفة، ابتداءً من فنون الحضارات القديمة، مرورًا
بفن العصور الوسطى والنهضة، وانتهاءً بما آلت إليه فنون الحداثة وما بعدها. كما وفَّرت
الثورة العلمية التكنولوجية التقنيات والوسائل والمواد التي أسهمت في إعطاء رؤية
جديدة لإنجاز الأعمال الفنية، وانعكس ذلك من خلال النتائج التي ظهرت نتيجةً لتلك
الرؤية الفنية والتجربة الجمالية، والتي تولدت من خلالها أعمالٌ فنيةٌ متنوعةٌ وُظفت
فيها تقنيات فنيةٌ مختلفةٌ، حيث امتزجت الوحدات التراثية البصرية بالرموز الثقافية
في الأعمال الفنية التشكيلية المعاصرة.
0 تعليقات