مشاركات عشوائية

أحدث الأخبار

تحدي الكلام ... ماذا عن اللجلجة



د : ألفت أشرف 

يعتبر الكلام من أكثر أشكال التواصل بين البشر، وقد يتميز كل فرد بطبيعة خاصة ينفرد بها عن غيره في أسلوب كلامه، فيصبح له أثر واضح في تحديد النظرة الشخصية للفرد نحو المتكلم في جميع مراحل حياته، ويتسم الكلام العادي في الغالب بوجود بعض القاطعات في مدى انسيابيته، وقد نتحدث بسرعة اعتقادًا منا أن الآخرين سوف يفهموننا بذلك، وقد نتوقف في المكان الخاطئ بالجملة، ونستخدم نمطًا للنبرات غير ملائم، أو يصبح كلامنا أقل انسيابيًّا فنتعثر في الكلام أو نرجع من حيث بدأنا، أو نكرر المقاطع، أو الكلمات، أو الجمل وهو الأمر الذي يعبر عن وجود مشكلة في الطلاقة.

 وعُرفت اللجلجة في الكلام بخصائصها المرتبطة بعدم الطلاقة اللفظية، والتي يبدو فيها المتلجلج صعوبة في إنتاج الصوت بالرغم من المجاهدة والمعاناة، وغالبًا ما تكون عند بداية النطق بالكلمة أو المقاطع أو الجمل.

وقد أشار الباحثون إلى أن اللجلجة قد وجدت في سير عدد من المشاهير والفلاسفة والعلماء ورجال السياسة والملوك، فأول وصف للجلجة يرتبط بنبي الله موسى (عليه السلام) "بأنها بطء في الكلام واللسان" كما ظهرت اللجلجة في الكلام لدى الفيلسوف اليوناني الشهير أرسطو، والعالم الشهير إسحق نيوتن، كما كان تشارلز دارون Charles Darwin  من المصابين باللجلجة في الكلام، والمثير للدهشة أن جدَّه كان مصابًا أيضًا بنفس الحالة، بالإضافة لذلك: فقد كان جورج الرابع ملك بريطانيا مصابًا باللجلجة.

 عرفت منظمة الصحة العالمية who اللجلجة في الكلام بأنها: "اضطراب في إيقاع الكلام؛ حيث يعرف الفرد ما يريد قوله بالضبط بسبب إنه لا يستطيع تنفيذه نظرًا للتكرار، والإطالة، والتوقف اللاإرادي أثناء الكلام. 

 ويرى روستاساين RUOUSALAINEN أن اضطرابات سلاسة الكلام هي الاضطرابات التي تؤثر على سلامة الكلام، وأشهرها ما يعرف بالتلعثم أو اللجلجة والتي يكون على شكل ترديد أو توقف أو إطالة للكلام.

وقد وضع وينجات  wingate تعريفًا للجلجة أكثر شمولًا؛ حيث فسر معنى كلمة لجلجة من خلال ما يحدث للفرد المتلجلج أثناء عملية اللجلجة، وأن هذا الاضطراب لا يبدو فقط في القصور اللفظي للمتلجلج وإنما يتمددها إلى الجسم كله، وتبدو الظاهرة الجسمية النمطية التي تعبر عن مجاهدة الفرد للتغلب على إعاقته الكلامية، فيبدو الفرد في حالة من القلق والتوتر العام، كما يكون هناك ارتفاع في درجة الصوت أثناء التكرارات والإطالات مع صعوبة في تدفق الهواء، ووجود توترات مائلة في الوجه.

ومن أهم السمات أو الملامح المميزة للجلجة في الكلام: التكرارات: وهي عبارة عن تكرار الكلمة كلها أو تكرار جزء منها لمرات عديدة، مع عدم القدرة على تجاوز نطق الكلمة أو المقطع والانتقال لكلمة أخرى أو إلى مقطع آخر، ويشمل ذلك: التطويل: وهنا يشعر المتلجلج بأنه كما لا يمكنه إنهاء الصوت والانتقال إلى صوت آخر، كأن يقول كلمة تسعة تخرج (تتتتسعة) أو (إسسسسمي) وبالنسبة للبعض فإنَّ هذا التطويل قد يبدو كأنه يدوم لساعات طويلة برغم كونه لا يستغرق إلا جزءًا بسيطًا من الثانية.

 التوقف اللاإرادي أو الإعاقة: وهو اعتقال اللسان أو اعتراض سبيل خروج الكلام: فبعض الأفراد لا يحدث لهم تكرار أو تطويل، ولكن ما يحدث هو التوقف التام لكلامهم وتظهر في فترة صمت أو صعوبة عند خروج الكلام والصوت، فيبدون وكأن أفواههم ملتصقة، مثل: نطق حرف من حروف كلمة، ثمَّ يحدث توقف، ثمَّ تخرج بقية الكلمة بصورة انطلاق انفجاري فعند نطق سعد ينطقها "س(توقف) عد"" وتصبح هذه الأعراض راسخة ويألفها المريض.

 وقد يحدث توقف ملحوظ قبل نطق الكلمة، ثمَّ نطقها دفعة واحدة.

 الكلمات الاعتراضية: وتظهر في إقحام أصوات أو مقاطع أو عبارات اعتراضية مثل (م....إذا...) أو تكرار حروف أو كلمات لا صلة لها بالكلام مثل (أريد ألعب ممممم كرة).

الكلمات المكسرة: ويحدث فيها ارتباك للنطق يصعب فهمه بسهولة مع حذف حروف أو كلمات.

تجنب الكلمات: عندما يجد الطفل المصاب مشكلة كبيرة في الكلام يخرج كلمة بديلة أسهل أو صوت أسهل  برغم من أن محصول الكلمات لديه  كبير في ذهنه، وهناك حيل أخرى في ذهنه مثل التظاهر بعدم السمع، أو إضافة كلمات صغيرة.

وعن السمات أو الملامح الثانوية:

المجاهدة الكلامية: ترتبط اللجلجة في الكلام بزيادة التوتر عندها يحاول المتلجلج إجبار اللسان على طرد الكلمة للخارج، كلما وجدت صعوبة مرارًا وتكرارًا ازدادت حالة التوقف وعقدة اللسان، ويحاول الفرد ذو اللجلجة تحريك اليدين والقدمين والجسم لإخراج التوتر.

التشنج أثناء الكلام: قد يحدث عند احتباس الكلام الذي يتبعه انفجار أن المريض يضغط بقدميه على الأرض، مع ارتعاش في رموش عينيه، وإخراج اللسان خارج الفم، والميل بالرأس إلى الخلف ويتشنج الجسم، كل ذلك بهدف التخلص من احتباس الكلام أو اعتقال اللسان.

حركات لا إرادية: وتظهر في اللسان والفكين، ومحاولة بذل الجهد لاستنشاق الهواء عن طرق الفم، وتتقلص الحنجرة؛ وبالتَّالي يخرج الصوت بشكل حشرجة أو يكون حادًّا جدًّا، ويلاحظ الإفراط في العرق، مع شحوب أو احمرار شديد في الوجه، ويلاحظ تمدد الأنف حتى يتمكَّن من استنشاق أكبر كمية من الهواء.

تجنب المواقف: يستخدم المتلجلج حيلًا وأساليب لتجنب الكلام، كأن يتعطل في تعديل ملابسه، أو عدم رفع يده للإجابة، أو يقول لا أعرف برغم معرفته؛ لتجنب التحدث أمام الآخرين.

الاضطرابات الانفعالية: وهي الشعور بالحرج والخجل والذنب والقلق والغضب، وكثيرًا منهم يشعر باليأس؛ الأمر الذي يؤدي به إلى انخفاض شعوره كإنسان، ويصاحب ذلك مشكلات اجتماعيَّة وانفعاليَّة تنعكس على أهدافه وطموحه وتؤدي بهم إلى العزلة الاجتماعية.

  وفي النهاية تختلف طرق معالجة اللجلجة باختلاف المذاهب والآراء في أسبابها، كما أن تعداد أساليب علاج اللجلجة يرجع إلى تعداد وتشابك العوامل المؤدية إلى تلك الظاهرة النفسية المركبة والمتداخلة، فاللجلجة ظاهرة غاية في التعقيد؛ حيث إنَّ لها العديد من الأسباب في علم الأمراض، فهي تتضمن عوامل تكوينيَّة كيميائيَّة عصبيَّة ونفسيَّة وبيئيَّة اجتماعيَّة.

ولذلك فإنَّ علاج اللجلجة يمثل تحديًا بالنسبة للجلجة المزمنة، ويُعد إعادة تأهيل الكلام من الأمور الشاقة والمكلفة، بالإضافة إلى ذلك يجب أن يصاحب هذا بعلاج القلق؛ لأنه ضروري في كثير من الأحيان.


بقلم د/ ألفت أشرف

إرسال تعليق

0 تعليقات