أغاني “المدّاحات” نموذجا للاغنية الشعبية.
الأغنية الشعبية ظلت هي الأقرب لنبض الشعوب وأحاسيسهم وفي الوقت نفسه كانت الفطرة الدينية ولا زالت هي سمة الأغلب في سلوك الناس وطريقة تفكيرهم المدائح النبوية جمعت ما بين هاتين الحالتين فحققت هذا الاقبال من الناس في المناسبات الدينية والموالد الشعبية والنشاطات التي تقدمها المؤسسات الدينية والثقافية في العديد من البلاد العربية .
ورغم أنّ الإنشاد الديني كان حكرًا على الرجل منذ نشأته، إلّا أنّ المؤرّخين والباحثين أكّدوا على الدور التاريخي للمرأة في هذا المجال، مُشيرين إلى أنّ النساء بدأن بمدح الرسول، ومن ثمَّ الإنشاد في زفّة العروس وزفّة العائدين من الحجّ، كما أنشدوا في المآتم مواعظ غايتها التذكير بالآخرة.
مع ظهور قارئات القرآن الكريم ظهرت مداحات النبى أو المعروفات بـالمنشدات الدينيات، وهن اللاتى حباهن الله بأصوات عذبة وموهبة فى الذكر والإنشاد وقد استطعن خوض ذلك المجال الذى كان حكرًا على الرجال لأعوام عديدة وسط الرفض المجتمعى والتحديات الكثيرة لفرض موهبتهن، كما اعتمدت الكثير من الأفراح الدينية على فرق الإنشاد النسائى، وأصبحت لهن فقرات خاصة يتم فيها مزج الأغانى الدينية مع الأغانى العادية، وذلك فى ظل الانفتاح الموسيقى الكبير وتعدد الآلات الموسيقية.
أثار إنشاد المرأة للمدائح والأغاني الدينيّة عديد المواقف المتباينة، فمنها من يعتبر أنّ صورة المرأة عورة، ومنها من يتعارض مع ذلك ورغم عديد الصعوبات والعراقيل الّتي واجهتها، إلّا أنّ المرأة أصرّت على التطوّر والابداع في أداء أشكال مختلفة من الذِكر والإنشاد الديني، مثل تلاوة القرآن والمديح النبوي والدعاء، لم تُثنِ العادات العربيّة والفتاوى نساء وفتيات عربيّات كثيرات عن تحقيق غايتهنّ. فأنشدن وغنّين وأسّسن فرقًا أثْرت الإنشاد الديني، وساهمن في تجديد التراث العربي وحمايته من التلاشي، وتغيير بعض وجهات النظر المتطرّفة والمجحفة في حقّ المرأة في العالم العربي.
كانت السيدة “أم محمد” هى أول سيدة مقرئة للقراَن الكريم فى مصر وظهرت “أم محمد” في عصر محمد على وكان من عادتها إحياء ليالى شهر رمضان في حرملك الوالى، وكانت تقوم بإحياء ليالى المآتم في قصور قواد الجيش وكبار الدولة، وكانت موضع إعجاب محمد على وأمر بسفرها إلى اسطنبول لإحياء ليالى شهر رمضان في حرملك السلطان ماتت الشيخة “أم محمد” في أواخر حكم محمد على ودفنت في مقبرة أنشئت لها خصيصاً في مسجد الإمام الشافعى.
من بعد أم محمد شهدت مصر أصواتاً عذبة كانت ترتل القراَن وتحيي ليالى رمضان والأفراح و الماَتم ومنهن من سجلت إسطوانات و منهن من إقتحمت بصوتها الإذاعة وأبرز تلك السيدات : سكينة حسن ، كريمة العادلية ، منيرة عبده … لكن مع مرور الزمن وتسرب الفكر الوهابي إختفت الاصوات النسائية عن ساحة “مقرئى القراَن” وإحتكرها الرجال بحجة “صوة المرأة عورة”.
وبإغلاق
الإذاعة أبوابها أمام القارئات والمداحات أخذ المديح النسائي الشعبي يسيطر على
مساحات أوسع في خريطة مِزاج الشارع المصري، وخرجت مجموعة من المداحات الشعبيات من
رحم الموالد، وحلقات الذكر، وليالي الأفراح، وشكلن مدارس مختلفة تتميز بالتباين
الشديد فيما بينها، ولمعت أسماء من بينها الحاجة هنيات شعبان ونفيسة الرجالاتي
ورقية العطار، ونبيلة عطوة، والتي وصفها الأستاذ عمار الشريعي بآخر نسل المداحات
الكبار.
0 تعليقات