مشاركات عشوائية

أحدث الأخبار

أخلاقيات تغطية قضايا ذوي الاعاقة بين واقع التغطية الصحفية ودليل الممارسة المهنية


 كتب: د. أحمد موسي الكومي.

تُعد لغة المادة الصحفية المستخدمة سواء كانت الصفات والمسميات الإيجابية أو السلبية التي تقدمها الصحف عن ذوي الإعاقة عنصرًا هامًا في توجيه القارئ نحو هذه القضايا، فلدى الأشخاص ذوي الإعاقة تفضيلات متنوعة حول اللغة التي يستخدمنها لوصف أنفسهم واللغة التي يفضلون استخدامها لوصفهم. في الوقت نفسه، غالبًا ما يحصل الباحثون في مجال الإعاقة، على إرشادات توجيهية من قبل القائمين بالاتصال حول لغة الإعاقة المحددة التي يجب عليهم استخدامها (أي لغة الشخص الأول). وبالتالي، فإن الخلاف بين النهج المتبع في التعامل مع لغة الإعاقة يؤكد الحاجة إلى حوار مفتوح حول الاختيار المستنير ثقافيًا للغة الإعاقة في التغطية الصحفية.

كما يبرز قلق آخر يتعلق بلغة الإعاقة، وهو استخدام العبارات الملطفة، مثل "ذوي القدرات المختلفة" أو "ذوي الهمم" أو "الاحتياجات الخاصة" التي يُقصد منها -ظاهريًا- أن تكون بدائل أقل هجومًا لمصطلح "الإعاقة". حيث استخدام هذه المصطلحات تم بواسطة أشخاص غير معاقين، وغالبًا ما يتم تأييدها من قبل آباء الأطفال المعاقين غير المعاقين، وقد تم رفضها إلى حد بعيد من قبل مجتمع ذوي الإعاقة باعتبارها سطحية، وطفولية، ومتعالية.

فعمدت الكثير من التغطية الصحفية إلى استخدام مصطلح "ذوو الهمم" وليس "ذوو الإعاقة" وهو المصطلح المتعارف عليه وفق تعريف الأمم المتحدة للموضوع. فدلائل أخلاقية كثيرة تتحدث عن ضرورة استخدام المصطلح المناسب لتعريف هذه الفئة، لأنها تنقل صورة واقعية تجسد حقيقة وضعهم. فمصطلح الإعاقة يشمل مجموعة واسعة من الإعاقات على اختلافها، منها الجسدية والنفسية والاجتماعية، إضافة إلى الإعاقات الحسية أو الفكرية التي قد تؤثر أو لا تؤثر على قدرة الشخص على القيام بأنشطته اليومية، بما في ذلك العمل.

ويتفق الباحث مع هذا التوجه كون مصطلح "ذوي الإعاقة" هو الأنسب والأوقع كونه يقدم التوصيف الصحيح لهم، كما هو المصطلح المعتمد من "منظمة الصحة العالمية" و "اليونسكو".

فواقع التغطية الصحفية يبرز وجود مصطلحات إيجابية وأخري سلبية عن معالجة قضايا ذوي الإعاقة، فبالنسبة للمصطلحات الإيجابية وهي (ذوي الإعاقة- ذوي القدرات/ الاحتياجات الخاصة- ذوي الهمم -متلازمة داون- فرسان وأصحاب الإرادة- طموح- يعتمد على نفسه- قوي الإرادة- شجاع- متزن نفسيًا).

أما المصطلحات السلبية، وتشمل مصطلحات (عنيف- أناني- جاهل- كاره للمجتمع- بائس- معاق/ معوق -مريض/مجنون-مختل عقليًا/ متخلف –"قزم-أعمي/ ضرير- أطرش/ أصم- عاجز- أعرج-مشلول).

فاستخدام تسميات غير صحيحة للأشخاص ("معاق"، "مكفوف"، "أصم"، "كرسي متحرك"، "كائن معاق"، "طفل خاص"، "فصامي"، "شخص مصاب بالأورام"، وما إلى ذلك) لا تحمل دلالات سلبية فحسب، بل إنها مسيئة لهذه الفئات من الناس، وتنتهك القواعد اللغوية والأخلاقية، وتشير إلى عدم مراعاة النوع الاجتماعي، وتُظهر عدم احترافية الصحفيين والمحررين.

كما أن المصطلحات المهينة التي -عفا عليها الزمن- حملت دلالات سلبية؛ لكونها لا تصور بدقة قدرات الأشخاص ذوي الإعاقة، مما يؤدي إلى الوصم والإقصاء.

استخدام مصطلح " مشلول" وهو مصطلح غير مناسب من الناحية الأخلاقية: لأن تلك الكلمات تجعل من صفة "العجز" سمة لصيقة بالشخص ومتحدة معه. ( )

استخدام الموقع الرقمي للأهرام مصطلح " القاتل الأخرس" وهو اسقاط غير مناسب من الناحية الأخلاقية والمهنية؛ لكونها تعطي دلالة وتلصق السبب في القتل هو الخرس وليس أي سبب أخر مع أن الخبر لا يتحدث عن ذوي الاحتياجات الخاصة من قريب أو بعديد. ( )

لذلك تعتبر التغطية الإعلامية واللغة المستخدمة في التغطية التي يستخدمها القائمون بالاتصال لتمثيل قضايا ذوي الإعاقة عنصرين أساسين في الاندماج الاجتماعي.

وبالرغم من ذلك يري الباحث أنه قد تغير استخدام لغة الإعاقة في وسائل الإعلام بشكل ملحوظ خلال السنوات القليلة الماضية. على الرغم من أنه قد يكون من المفيد وجود مبادئ توجيهية وقواعد محددة يمكن تعميمها عبر المواقف المتعلقة بمصطلحات الإعاقة، إلا أن اللغة بحد ذاتها ظاهرة تتطور وتتغير بمرور الوقت استجابة للتحولات الثقافية.

وبالتالي تعكس اللغة التي نستخدمها مدى احترامنا وتقبلنا للآخر، فاستخدام لغة مناسبة عند التحدث والتخاطب مع وعن الأشخاص من ذوي الإعاقة، يعتبر خطوة أساسية نحو بناء مجتمع دامج متنوع يتقبل أفراده كافة.

وأنه في ظل كل هذا التغيير والتطورات على الصعيدين العالمي والعربي، فما زال الكثير القائمين بالاتصال يتعاملون مع الإعاقة ما زالوا يستخدمون المسميات السلبية وغير المنصفة بحق الأشخاص في وضعية إعاقة. فهذه المصطلحات والمسميات وإن دلت على شيء فإنها تدل على الآراء المسبقة والمشوهة التي يتحلى بها المجتمع اتجاه هذه الفئة، ويؤشر إلى استمرار غياب الاهتمام بموضوع التسميات، وكذلك ضعف مستوى معرفة القائمين بالاتصال بما هو سلبي أو إيجابي، فقد لا يدرك الفروق بين استخدام كلمة "أعمى" مثلًا، أو " معوق بصريًا"، أو "مكفوف"، وكذلك بالنسبة لاستخدام مصطلح "ذوي الاحتياجات الخاصة"، أو "الأشخاص ذوي الإعاقة"، ما يعنى حاجة القائم بالاتصال للتوعية بموضوعات الإعاقة.

ولنتفق على أن الإعاقة "قضية عادلة"، وإن الحقائق والأفكار أقوى من الكلمات المعبرة عنها، لكن هذه الحقائق والأفكار لا يمكن أن تصبح قوية حتى تُعرف، وفي معظم الأحيان يتطلب تلك صياغتها بشكل ملائم، بوسائل محددة جداً للجماهير، فمن دون "لغة ملائمة" تصبح الحقائق والأفكار حتى القضية بحد ذاتها بلا جدوى، غير قادرة على توليد الفكر، وإيصال المعاني.

وفي سبيل تحقيق ذلك، ينبغي لــــ القائم بالاتصال أن يتبعها في تغطية الموضوعات التي تخص الأشخاص ذوي الإعاقة: -

- عدم التطوع لتفسير، أو تبرير، تصريحات ذوي الإعاقة.

- يجب أن يكون حريصًا في تغطيته على أن يتواصل فعليًا مع الأشخاص المعاقين، وأن يستفسر منهم عما إذا كانت المعلومات التي حصل عليها من الآخرين تتوافق مع وجهة نظرهم حول وضعهم.

- التركيز على إنجازات الأشخاص ذوي الإعاقة، مع تجنب المديح المبالغ فيه الذي قد يُفهم بشكل غير عادل.

- استخدم نبرة محايدة عند تسليط الضوء على نجاحاتهم.

- تناول قضايا ذوي الإعاقة مثل حقهم في العمل وضرورة توفير مرافق ملائمة لهم، مع الحذر من تصويرهم كعاجزين. قدم مطالبهم بنفس الطريقة التي تتعامل بها مع أي فئة أخرى تسعى لتحقيق مطالبها في المجتمع.

- تجنب تعميم الافتراضات، وتذكر أن الأشخاص ذوي الإعاقة ليسوا مجموعة متجانسة.

- استمع إليهم مباشرة وانقل أصواتهم إلى وسائل الإعلام بمهنية ونزاهة.

- استخدم محتوى مرئي متنوع (كالصور والرسومات) لإظهار الشخص من زوايا متعددة، وليس من زاوية الإعاقة فقط، واستفد من الوسائط المتعددة في السرد القصصي لجعل المحتوى أكثر وصولاً للجميع.

- تجنب وضع الأشخاص ذوي الإعاقة في قوالب محددة: حيث يتم غالبًا تصنيفهم في إطار معين، مثل الربط بين الإعاقة والتسول، وغيرها من التصورات الخاطئة التي تنبع من الثقافة المجتمعية والأفلام والدراما والأمثال الشعبية.

- تجنب النظر إلى الأشخاص ذوي الإعاقة من منظور إعاقتهم فقط، فهم يمتلكون اهتمامات ومهن وعائلات مثل أي شخص آخر. وعندما يلتقي الصحفي بأشخاص منهم حققوا نجاحات كفنانين أو رياضيين رغم إعاقتهم، يمكن أن يسهم ذلك في تقديم صورة إيجابية.

- قم بدراسة تاريخ الصور النمطية المتعلقة بذوي الإعاقة في وسائل الإعلام لتقييم كيفية تغطيتهم الصحفية ومعرفة ما إذا كانت تسهم في تعزيز هذه الصور المشوهة. من خلال إنتاج محتوى إعلامي أكثر شمولية وإتاحة للأشخاص ذوي الإعاقة، يمكنهم التعبير عن أساليبهم الإبداعية واحتياجاتهم والصور التي يسعون لتحقيقها.

- يجب أن يدرك القائمون بالاتصال أنهم مجموعة متنوعة من الأشخاص وأن يضعوا استراتيجيات متعددة الأوجه للوصول إلى أكبر عدد ممكن من الناس. فعلى سبيل المثال، يمكن إضافة نسخة صوتية للمقال المكتوب، مما يسمح للأشخاص الذين يعانون من العمى أو ضعف البصر بالتفاعل مع المحتوى. أما بالنسبة للمحتوى المرئي، فيمكن للصحفيين أن يضيفوا الترجمة المكتوبة على الشاشة لإتاحته للصم أو ضعاف السمع.

- اسأل الشخص ذوي الإعاقة عن كيفية التعريف عنه بحال لم يكن الصحفي متحقِّقًا من الطريقة المناسبة لوصف شخص من ذوي الإعاقة في تقريره.

- ابتعد عن الصور النمطية المؤذية وتفادى من الترميز.

- تقديم أمثلة على الأشخاص ذوي الإعاقة الذين استطاعوا الانخراط والاندماج في المجتمع كجزء من التنوع البشري الطبيعي، وذلك عندما توفرت لهم البيئة المناسبة والترتيبات اللازمة لدعم اندماجهم.

- التأكيد على أن الإعاقة تُعتبر تنوعًا بشريًا طبيعيًا في مختلف المجتمعات، وأن الأشخاص ذوي الإعاقة هم جزء لا يتجزأ من المجتمع مثلهم مثل الآخرين.

ولمزيد من التأثير عند طرح قضايا الأِشخاص ذوي الإعاقة، يجب الإلمام بالمعرفة فيما يخص القوانين والمعاهدات الدولية المتعلقة بذوي الإعاقة، والمُطالبة بتعديلها بما يتلاءم مع الاحتياجات والمتطلبات الإنسانية الحقوقية لهم:

- اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة والـبروتوكول الاختياري الملحق بها التي تضم 50 مادة شاملة لحماية حقوق هذه الفئة، كثير من هذه الحقوق تم التأكيد عليها في الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، مع التزامات محددة أخرى.

- الإعلان الخاص بحقوق المعوقين لعام 1975 وثيقة غير ملزمة تحمل قيمة أدبية أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة تناولت حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وأكدت على مجموعة من الحقوق الأساسية التي لهم الحق في ممارستها دون أدنى تمييز.

- الإعلان الخاص بحقوق المتخلفين عقلياً الصادر عن الجمعية العامة للأمـم المتحدة في 20 كانون الأول 1971 "مع التحفظ على صياغة _المتخلفين عقلياً_ كما أوردنا سابقاً".

- بالإضافة إلى مجموعة من التشريعات والقوانين المحلية تختلف من دولة إلى أخرى، إلا أنها جميعاً تتفق على رعاية حقوق ذوي الإعاقة، وتمكينهم في مختلف مناحي الحياة المجتمعية والعملية.

كذلك، على الصحفيين المهتمين بإعداد تقارير عن ذوي الإعاقة أن يعرفوا الأيام التي حدّدتها الأمم المتحدة والمرتبطة بهؤلاء الأشخاص مثل:

- اليوم العالمي لمتلازمة داون في 21 مارس.

- اليوم العالمي للتوعية بمرض التوحد في 2 أبريل.

- اليوم العالمي للصحة النفسية في 10 أكتوبر.

- اليوم العالمي للإبصار وهو حدث دُوَليّ سنوي يحتفل به يوم الخميس في الأسبوع الثاني من شهر أكتوبر بغرض إذكاء الوعي العام بحالات العمى وفقدان الرؤية التي يمكن الوقاية منها.

- اليوم العالمي للأشخاص ذوي الإعاقة في 3 ديسمبر.



إرسال تعليق

0 تعليقات